ابن عجيبة

39

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يسلّط عليهم شئ ، يخالطون الناس بجسمهم ، ويباينونهم بسرهم ، فالدنيا سوق تجارتهم ، والمعرفة رأس بضاعتهم ، والعدل في الغضب والرضا ميزانهم ، والقصد في الفقر والغنى عنوانهم ، والعلم باللّه مفزعهم ومنجاهم ، والقرآن كتاب الإذن من مولاهم ، والفهم عن اللّه مرجعهم ومأواهم . ومثال الثالث ، وهو المكاتب : الصالحون من المؤمنين ؛ يعملون على فك رقبتهم من النار ، فإذا أدوا ما فرض عليهم ؛ حررهم بعد موتهم ، وأسكنهم فسيح جناته . ومثال الآبق : هم العصاة والفجار ، استمروا على عصيانهم ، حتى قدموا على الملك الجبار ، فهم تحت حكم المشيئة ، إن شاء عفا عنهم ، وإن شاء عاقبهم . واللّه تعالى أعلم . ولما أمر بتزويج الإماء نهى عن إكراههن على الزنا ، فقال : وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ . . . يقول الحق جل جلاله : وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ أي : إماءكم ، يقال للعبد : فتى ، وللأمة : فتاة . والجمع : فتيات ، عَلَى الْبِغاءِ أي : الزنا ، وهو خاص بزنا النساء . كان لابن أبىّ ست جوار : معاذة ، ومسيكة ، وأميمة ، وعمرة ، وأروى ، وقتيلة ، وكان يكرههن ، ويضرب عليهن الضرائب لذلك ، فشكت ثنتان منهن إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فنزلت الآية « 1 » . وقوله تعالى : إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً أي : تعففا ، ليس قيدا في النهي عن الإكراه ، بل جرى على سبب النزول ، فالإكراه : إنما يتصوّر مع إرادة التّحصّن ؛ لأن المطيعة لا تسمى مكرهة ، ثم خصوص السبب لا يوجب تخصيص الحكم على صورة السبب ، فلا يختص النهى عن الإكراه بإرادة التعفف ، وكذلك الأمر بالزنا ، والإذن فيه لا يباح ولا يجوز شئ من ذلك للسيد ، وما يقبض من تلك الناحية سحت وربا . وفيه توبيخ للموالى ؛ لأن الإماء إذا رغبن في التحصن ؛ فأنتم أولى بذلك ، ثم علل الإكراه بقوله : لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي : لتبتغوا بإكراههن على الزنا أجورهن وأولادهن ، جئ به ؛ تشنيعا لهم على ما هم عليه من أحمال الوزر الكبير لأجل النزر الحقير ، أي : لا تفعلوا ذلك لطلب المتاع السريع الزوال ، الوشيك الاضمحلال .

--> ( 1 ) عزاه المناوي ، في الفتح السماوي ( 2 / 874 ) للثعلبي عن مقاتل ، وأخرج مسلم في ( التفسير ، باب في قول اللّه تعالى : وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ 3029 ) عن جابر ، قال : إن جارية لعبد اللّه بن أبي ، يقال لها : « مسيكة » ، وأخرى يقال لها : « أميمة » فكان : يكرههما على الزنا ، فشكتا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فأنزل اللّه : لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ ) .